الشاعر علي عطوان الكعبي لـ «اللواءـ»: إذا اختلفنا في مضمون وشكل القصيدة فلا نختلف في خاصية العقل وقدرته على الإكتشاف
ضحى عبدالرؤوف المل
يلعب الشاعر العراقي «علي عطوان الكعبي» دورا مهما في إحياء القصيدة الفلسفية بطرق مختلفة تجعلنا نواجه الشعر والفلسفة وفق مصطلحات إبداعية حكيمة، وبهذا يمنحنا الكثير من وجهات النظر الحياتية والإنسانية، وكأنه المتأمّل لطبيعة الإنسان بعيداً عن النهايات، وبلغة شعرية ذات نغمات جمالية تقطر عذوبة في المعنى والمبنى بعيداً عن الوهم، بشعرية فلسفية ذات خصائص بنيوية تتحد مع التعبير والحدس الفني. ليمنح الفكر شاعرية فلسفية خاصة. ومع الشاعر علي عطوان الكعبي أجرينا هذا الحوار.
- الحكمة والفلسفة في قصائدك هل هي إعادة إحياء لهما في زمن الشعر الهش؟
- لأنني لست مع القصدية السابقة على الكتابة، كونها تجانب العفوية والصدق؛ ولأنني لست مع التخصص في كتابة الأغراض الشعرية؛ لهذا لا انطلق لكتابة النص من تصورات فلسفية غاية في الفلسفة ذاتها، مع حبي العميق لها؛ فلست فيلسوفا، ولا أدّعي ذلك. وما يجيء في نصوصي هنا وهناك، إنما هو بعض من التأملات والأفكار التي تعتمل في ذات الشاعر فيبثها بوحا عن الآخر والحياة والكون. لذا لا أراني معنيا بإعادة احياء الفلسفة أو الحكمة؛ لإيماني بأن الشعر أبعد من ذلك، وأوسع آفاقا..
- تمنحنا القصيدة، وتمنحنا الفلسفة اراء مختلفة في الحياة، ما رايك؟
- القصيدة أو النص، خلاصة حالة معينة يعيشها أو يحياها الشاعر، فلا بد والحال هذه أن تترك أثرا فيه، أو تأخذ منه. وهي في الوقت ذاته وسيلة للبوح تحمل معاني ودلالات وآراء تمثل وجهة نظر قائلها إزاء الحياة والكون. ولا تختلف ممارسة الفلسفة من حيث المبدأ عن كتابة القصيدة كونها مادة ووسيلة للتعبير عن تصورات ومحمولات دلالية، مع نسبة من التباين في المضمون والشكل قد تكثر، أو تقل في حال اجتماعهما لدى شاعر ما.
- هل من جهود يبذلها العقل في تكوين المعرفة من خلال قصيدة؟
- إذا اختلفنا في مضمون وشكل القصيدة، فلا نختلف في خاصية العقل وقدرته على الإكتشاف والسعي للحصول على المعرفة؛ ذلك أن العقل يبحث في جوهر الأشياء، ولا يقف عند حدود معينة منها. فالقصيدة في نهاية المطاف نتاج لاستقراء معرفي وإطالة تأمل، بغض النظر عن مستواها الفني ضعفا وقوة. بمعنى لا بد من جهد عقلي وتأمّل طويل لاستنباط فكرة تقوم عليها القصيدة تغني المعرفة الإنسانية.
- ألا تظن اننا نفتقد الشعر الذي يجمع الفلسفة مع الحكمة، واننا ننزلق نحو الهاوية شعريا في هذا العصر؟
- قديما قيل أن الشاعر هو العارف الأول.. غير ان هذا القول لم يعد صائبا الآن؛ فنحن نفتقد الشعر كله، وليس شعر الفلسفة أو الحكمة فقط؛ ومع ضياع الكل لا يبقى للجزء معنى يُعتد به. على إن ذلك لا يعني عدم وجود شعر ينطوي على الجزالة والقوة والبلاغة..
واتفق معك في انزلاقنا نحو الهاوية شعريا؛ تأسيسا على ما نجد وما نقرأ من إسفاف، وسذاجة، واستسهال يندرج تعسفا تحت مسمّى الشعر، حتى أمسى عدد (الشعراء) أكثر من عدد كلمات الأبجدية.. ولهذا توارى الشعراء الجيدون بعيدا، ففي شدّة العتمة يصعب تمييز الحابل من النابل!.. والسبب في هذا ما أباحته الشبكة العنكبوتية من فضاء فسيح لا تحكمه ضوابط ولا قوانين، قيض للكثيرين أن يصبحوا (شعراء) بين يوم وليلة! ورحم الله الأديب مارون عبود الذي قال: (لولا الشاعر لماتت الآلهة). وها هو الشعر يموت الآن، فلا عجب أن تحيا آلهة الجهل..!!
- الشاعر علي عطوان الكعبي بين الحب والإلهام، وكل قصيدة امرأة؟
- الشاعر يضفي صفات وسمات حلمية على المرأة، فيجعل منها أنثى يلبسها هو ترف الجمال، وتمنحه هي شفافية الإلهام.. ولا أعتقد أن ثمة مساحة بين الحب والإلهام، فطالما كان الحب سببا ودافعا يثير غواية الإلهام لدى الشاعر.. أنا أحب فأكتب، ولا أكتب لكي أحب.. هناك مسافة بين قصدية الكتابة، وعفوية الروح عند اجتيازها نفقد الإمساك بغمام سماواتنا..
إن القصائد كالنساء، لكنما ليست النساء كالقصائد.. ولعل هذا ما يبرر الحرمان العاطفي لبعض الشعراء، وفداحة انكساراتهم.. فلو أن كل قصيدة يكتبها الشاعر، كانت امرأة لتقاتل الرجال فيما بينهم..!
- القصيدة الأخلاقية ومسؤولية الشاعر في تكوين رجال الغد، ألا تظن أن هذا هو الدور الأساس للشعر، وهو رأس الهرم للأدب؟
- الجدل حول مسؤولية الشاعر ودور الشعر ما زالت حروفه بلا نقاط.. وأرى أن الشاعر لا ينبغي له أن يأخذ دور المعلم ولا المؤرخ، فيدبج الوصايا والتعاليم، أو يدوّن الأحداث بتفاصيلها؛ كونه ذاتا مفردة الوجود، جمعية الفعل لها خطابها الجمالي بتجربة شخصية تقوم على إزالة الغبار الضوئي عن ملامح الجمال، وتؤكد القيم الفاضلة. هذه الذات تظل محدودة التأثير إذا ما قيست بسطوة السياسة، أو قوة المال. وربما أجمل ما يعبّر عن ذلك قول الفيلسوف الكبير نيتشه: (ما أنا إلا صانع للكلمات.. ما قيمة الكلمات إذن.. وما قيمتي أنا؟).
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%B9%D8%B7%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A5%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B6%D9%85%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%B4%D9%83%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%A7-%D9%86%D8%AE%D8%AA%D9%84%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D8%AE%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D9%88%D9%82%D8%AF%D8%B1%D8%AA%D9%87-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%83%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D9%81/
12 آب 2021 12:00ص تم نشره في جريدة اللواء