هل يلعب الفن دوره في القوة الاقتصادية؟
ضحى عبدالرؤوف المل
ضعفت الإنجازات الفنية بعد الأزمات المتكررة في العالم من الكورونا وصولاً إلى الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى ندرة في البرامج الثقافية التي كانت تُعقد على أرض الواقع، وبالتالي انقطاع في المعارض الفنية، والمزادات العالمية التي كانت تقام بكثرة، مما ترك الفن في مهب الريح الاقتصادية المؤثرة على غالبية الدول في العالم، فهل يمكن الحصول على قوة فنية في ظل كل هذا التهالك الاقتصادي الذي يزداد رغم المحاولات في نفخ روح الجمال الفني، ونحن نعاني من الوباء الكوروني الذي يجتاح العالم، كما يجتاح اللوحات في الفن التشكيلي خاصة، وفي القصص والمقالات والكتب التي تترنح أسواقها؟ وما بين ثقافة الترفيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والثقافة من أجل الفن تتذبذب الآراء، وتضيع هويات السعي نحو الفن باعتباره قوة اقتصادية حققتها المزادات العالمية في السنوات الأخيرة.
إلا أن الأشهر القليلة التي مضت برهنت على قوة إرادة البعض ممن مارسوا الفن عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو بالأحرى السوق الفني الافتراضي ومكانته الاقتصادية التي بدأت تزداد حالياً، وإن ببطء شديد. إلا أن القيم الاقتصادية المتعلقة بفن اللوحة التشكيلية أو بالفن بشكل عام ما زالت تحمل في طياتها نوعاً من التقشف بسبب الأزمة الاقتصادية وحِدَّة عواقبها المؤكدة على الضعف العام في الفن، وبالتالي ضعف السوق الذي يجب أن يتكيف مع هذا التقشف الذي فرضه الوباء، فاختلالات التوازن بين الفن وأهميته في الحياة، وبين الفن كقوة اقتصادية جبارة يمكن الاعتماد عليها في ظل كل هذه الكوارث الثقافية التي أصابت العالم الذي بدأ يزحف نحو البديل الافتراض في ظل فقدان الأرض الخصبة للفن، وهي المعارض وغيرها من الوسائل التي تسمح بالعرض والطلب. فهل من دور حاسم يلعبه الفن في ظل كل هذه التقهقرات التي نعيشها اليوم بسبب الضعف الاقتصادي في العالم؟ أم أن مهمات المجتمع الإنساني هي التمسك بالثقافة الفنية لتقودنا نحو الحياة الأفضل، ليبقى الجمال يرافقنا وإن اعتبرناه اقتصادياً هو سلعة يمكن تداولها في الأسواق والمزادات لتوليد الأرباح والتقدم مجتمعياً نحو الازدهار الاجتماعي والاقتصادي الذي بدأ يفقد الارتباط بالثقافة، ليصبح الفن أكثر عرضة للمضاربة خصوصاً وأن المواضيع المطروحة فيه اليوم هي الوباء الكوروني والأزمة الاقتصادية الكبرى التي تطيح بالعالم كله. فهل علينا أن نقتلع الواقع ونؤمن بالسوق الافتراضية للعودة ثقافياً إلى الذروة؟ أم أننا في أزمة اقتصادية وضعت النقاط على الحروف فنياً وشذبت الكثير من الذين يعانون ضعفاً فنياً أو ثقافياً وغير ذلك؟
تفرض التغيرات في النظام الاقتصادي تغيرات كثيرة في عالم الفن بدءاً من التشكيل وصولاً إلى السينما وعالم الأدب والكتب وسوق الاستهلاك الفني، المؤثر ثقافياً على فكرة المضاربة، فالمضاربة الاقتصادية في العوالم المالية لا تشبه المضاربات الثقافية المتقوقعة، والتي يعتبرها العالم الاقتصادي نوعاً من الترفيه الذي لا يضيف إلى الأسواق المالية شيئاً، ولكن الثقافة تتبع الاقتصاد في القيمة والقيم والازدهار، رغم ما نشهده الآن من تزعزع في كل تلك القيم. فهل من أسبقية لعالم الفن على عالم الاقتصاد أم أن الاقتصاد والسياسة لهما تأثيرهما على الثقافة تبعاً لقدرات المجتمع على المقاومة ثقافياً أو حتى فنياً أو مقاومة العوامل الاقتصادية التي تتضارب فيما بينها؟ بينما التراجع الفني بات الأسوأ في ظل كل هذه الأسباب التي من شأنها أن تصيبنا ثقافياً في مقتل بينما هي تتطلب إثباتاً في الإنتاجات التي تلعب دورها في خلق قدرة اقتصادية مرتبطة بالفن فقط، وهو الجوهر الحقيقي المؤثر في عالم المال أو الأصح عالم السلع الاستهلاكية، ولكن هذه المرة السلع الفنية الجمالية التي يمكن أن تتحول إلى منتج يمنحنا الكثير من لحظات التأمل، والتفكير الهادف لإعطاء عدة وجهات نظر، لفتح الآفاق أمام الأزمات الاقتصادية التي تسببت في انهيار عالم الفن رغم أننا نظن أنه ما زال بخير. فما هي المنتجات الفنية في عالم التشكيل، وما هي أبرز المزادات التي تقام افتراضياً كبديل للمزادات التي كانت تقام قبل ذلك على أرض الواقع؟ وهل يمكن اعتبار الفن لغة الوعي التي تتميز بالعديد من الصفات مثل الحكمة والحب والجمال؟
إن القدرة على اختراق الوعي في الأزمات الاقتصادية هي القدرة على التمسك بالوظيفة الأساسية للفن، وتحويله إلى صدى اجتماعي مبني على وعي الإنسان، والصدى الداخلي الحقيقي للركائز الجوهرية التي يمتلكها في الأزمات خاصة لينهض بمجتمعه من كبوة اقتصادية تؤثر على تطلعات الشعوب وتصيبهم باليأس رغم شح الأنشطة الثقافية، فيبقى الوعي هو صفة النشاط الفردي الذي يسعى من خلاله الفنان إلى الوقوف في وجه التراجع الفني، ويؤسس لانطلاقة تؤرخ قوة الفن الذي يترك بصمته في أي حدث يقع، وقد شهدنا على ذلك في الكثير من الأعمال الفنية التي تنتمي لقرون مضت، والكثير من الأعمال الفنية التي لا يمكن رصدها في المقال هذا، وإنما هي موجودة في المعارض الافتراضية التي تقام بين فترة وأخرى، ومن خلال النشاط الفردي للفنانين الذين يحاولون النهوض من الأزمة الاقتصادية التي أصابت العالم بشكل عام من خلال وعيهم بمقدرة الشعوب فنياً. لنبقى في الطليعة إنسانياً، ومن ضرورات الكمال الاجتماعي وحتى السياسي الذي لا يؤمن بالفن كقوة، ولكنه يرافقه ويؤيده ويجعل منه عنصراً تنموياً يسانده ويتصاعد معه نحو القمة الثقافية التي تتأثر اقتصادياً وبالتالي تتأثر سياسياً أيضاً.
يساهم الوسط الثقافي اقتصادياً في تنشيط السياحة والتنمية الاجتماعية والفلكلور الذي يجب أن يبقى في الطليعة فنياً لما يحمله من معرفة حقيقية بالتاريخ المجتمعي للكل، بل لما يحمله من إعادة إحياء للعادات والتقاليد الفنية والثقافية بشكل شمولي، ومع ذلك تبقى صحة وعافية الفنون هي صحة وعافية اقتصادية تعيد إلى الأجواء القوة لما تقدمه من مشاهد حية لصورة المجتمعات كافة والواقع الذي نحياه إنسانياً قبل أي شيء آخر حتى نتمكن من التطور الواعي للبيئة بكافة أنواعها ومتطلباتها بعيداً عن التسويق، وبعيداً عن السوق الاقتصادية الجافة، ووفقاً للقيم التي تحملها الشعوب، وتهتم بها المؤسسات الثقافية مما يزيد من فهم الواقع، وعبر محفزات الفن نفسه المرتبط ارتباطاً شديداً بالثقافة، ومفاهيمها الإنسانية. فكل عمل فني هو عبارة عن إسفنجة تمتص المعاناة، وتجعلنا نرى ما هو أقوى من الحقيقة، وهي التفاعلات الاجتماعية والثقافية، وتطورات الحدث بعد أن يصبح في العمل الفني مجرد ذكرى ومحاكاة للواقع الذي فرض نفسه فنياً. فتترسخ القيم بشكل أكبر وتتعزز القدرات الثقافية، وتنتج رؤية واضحة ندرك من خلالها معايير القوة الاقتصادية ومؤثراتها على الواقع الفني الذي يشكل التعبيرات أو الذاكرة التاريخية الحقيقية في سجل الإنسانية التي تقاوم الضعف الاقتصادي الحالي بالمزيد من العطاءات الثقافية أو الفنية بشكل عام.
إن لم نمنح الفن صفة المحرك الحضاري نصبح في حالة موت سريري، وتحتضر ثقافات الشعوب تدريجياً، فالفن هو الوثيقة الحضارية التي من خلالها تتميز المجتمعات، وتهدف إلى التذكير بقوة هذه المجتمعات أو ضعفها أو حتى الذاكرة الحقيقية ذات الركائز الجمالية أو تلك التي تمثل حركة المجتمع الذي نحيا فيه مثل الكثير من اللوحات التشكيلية الحديثة التي اهتمت بتوثيق الحدث الوبائي الذي أصاب العالم. وبالتالي تبرز الأعمال الفنية سردياً إن بصرياً أو كتابياً أو حتى موسيقياً أو سينمائياً لتمثل الإنسان وحقوقه في العيش الآمن من خلال الطبيعة الفنية التي يمتلكها بعض الأشخاص سواء فنياً أو أدبياً أو سينمائياً وما إلى ذلك. وإن توقفنا للحظات أمام الموسيقى والسينما والمسرح والرسم والرقص والنحت والكاريكاتير والأدب، نتساءل: هل الأزمة الاقتصادية منحتنا عدة وجهات نظر للبدء بأسلوب حياة ثقافية وفنية جديدة؟ في النهاية يبدو أن الثقافة تموت على مذبح الحروب الاقتصادية ويتم التضحية بها أولاً في سبيل ترميم فجوة موت الحياة البطيء. فهل تبقى الإنسانية إن ماتت الثقافة؟ وهل تزدهر إن لم يزدهر العالم اقتصادياً ونعود كما كنا قبل وقوع الأزمة الكورونية؟
الثلاثاء 26/10/2021
https://www.arabicmagazine.net/arabic/ArticleDetails.aspx?id=7977