الهندسية المعمارية في الأدب الروائي

ضحى عبدالرؤوف المل

تتميز الكثير من الروايات الأدبية بقوة الاستحضار للأماكن الأثرية الراسخة في الأذهان، والقوية بهويتها ضمن الأماكن المهمة التي تتشكل منها المعاني الجمالية لفن الهندسة المعمارية وبصمتها في الأدب الروائي. لتكون الرواية هي النقطة الثابتة في أدب غير مرئي ومقروء يمنح المعنى الوجودي للمكان الموصوف، القابع في ذاكرة روائية شديدة الوقائع على أرض مبنية مع سرد يعطي فكرة عميقة التناسق، مع الاحتفاظ بالإيحاءات الفنية المؤثرة على كاتب يهتم بالأشكال المختلفة معمارياً، مما يفسح المجال أمام التقاطعات الخيالية التي تنطوي على تخصص فني مذهل يتوافق كلياً مع العمل الأدبي، كالذي قدمه (فيكتور هوغو) في رواية أحدب نوتردام ملتمساً منها الأرض الواقعية التاريخية لكاتدرائية احترقت في العصر الحديث، وارتسمت في رواية حافظت على فن الهندسة المعمارية، وببصمة المدافع عن تراث استطاع استثماره المؤلف روائياً في صفحات كتابية هو جوهرة حقيقية معمارية لوصف توحدت معه النداءات للحفاظ على تراث لفت الانتباه له بعد احتراق الكنيسة يوم 15 نيسان 2019. فهل تخيل (فيكتور هوغو) أنه سيخلّد هذه الكنيسة بعدد صفحات أكثر من ثمانين؟ أم أنه كتبها لتتقاطع جمالية فن الهندسة المعمارية مع الأدب الروائي والقدرة على البناء الهندسي غير المرئي؟ أم أنه بارز العصر الحديث بتصويره للكنيسة قبل قرون؟

يتفاعل الكاتب الروائي مع جمالية العمارة كتابياً من أجل تسليط الضوء على العملية الإبداعية التي يتمتع بها المكان قبل العمارة. ومن ثم يربط بين الكتابة والإيحاء للتصميم الذي يشكل البذرة الأساسية للنهج التصويري الحساس، والقادر على ربط الوعي الجمالي في العصور القديمة، وسحرها المقيد بعقلانية تمثل قوة دمج الهندسة بالكتابة، ضمن الوصف الترتيبي والمكاني الذي يتبين القارئ معالمه من خلال ما كتبه الروائي، وبعيون المهندس المعماري منتزعاً الفكرة الأساسية من المهندس كرسومات، ليجعلها في كلمات تنتج الأشكال في عيون القارئ دون البحث عن المخطط المعماري، وبعيداً عن الفوضى المادية لأحجار وألون وحديد وغير ذلك. فنشهد على المقامات الجمالية في فن الهندسة المعمارية بتجليات تترسخ في الذاكرة، بشكل أقوى ضمن نظام نسبي لنظريات معمارية احتفظ بها الأدب الروائي، وتخطى تهديد خرابها وتحولاتها ضمن صراعات الحروب أو الهدم المفاجئ لها، كما حدث لكنيسة نوتردام، وقدرة هوغو في الحفاظ على قواعد تكوينها بعيداً عن التعقيد الوصفي، وبماهية تجعل القارئ يدرك أهميتها، وقوتها الجذابة في التعريف عن نفسها لقارئ لم يشاهدها على أرض الواقع، وإنما تصورها وبشكل فردي كمعادلة بين العمارة والأدب، نتج عنها قدرة على التعبير التصويري بفيض لغوي مذهل يؤدي إلى رفع القيمة لجمالية المكان المرئي والمقروء معاً. فهل من أبعاد بلاغية ومجازية روضها (فيكتور هوغو) في روايته أحدب نوتردام؟ أم أنه استطاع تحفيز التفكير بها وجعلها لؤلؤة معمارية بفن هندستها الجمالية في رواية خالدة لم تحترق الكنيسة فيها؟

لا يمكن الخروج من الفن الهندسي عندما يأتي ذكره في الأدب الروائي، فالجمال التاريخي يمسك بك ويمنحك رمزية الأشياء لتجسيد الانتماء على الرغم من امتلاك المكان الذي ينجذب إليه القارئ بهذه الصفة الهندسية البنائية دون أن يكون مدركاً لصلابة المعنى الذي يفرضه الكاتب وكأنه المهندس الحقيقي لهذا البناء. ولا يمكن التحرر من قواعد الماضي الهندسية في أدب يعتمد أساساً على جماليات الفن المتخيل في أماكن اختارها الكاتب، لحفظ التراث ذي النفحات المعمارية لمواجهة الهدم الذي يحدث أثناء الحروب، والشعور بخسارة تراث من الماضي في حاضر روائي يتحول مع الماضي، ويتخذ من النص الروائي حاضراً في مستقبل حافظ عليه الروائي (فيكتور هوغو) في روايته أحدب نوتردام. (كان من الممكن بقاء هذا القصر العجوز قائماً على قواعده مع بهوه الكبير القديم، وحينئذ أقول للقارئ: (اذهب وشاهده) بحيث يعفي كلانا نحن الاثنين من تدبيج الوصف والتوضيح وآخرنا من قراءة هذا الوصف كاملاً غير منقوص. مما يثبت هذه الحقيقة الجديدة وخلاصتها: أن للأحداث الكبيرة ذيولاً ليست في الحسبان، إذ لا يبدو أن مجال الفن الهندسي قد تم تجاوزه في هذه الرواية التي يقترح من خلالها هوغو الاحتفاظ بالعديد من جماليات قد تندثر وتصبح من الرماد دون أن يشاهدها الإنسان، وقد تتجدد على أسسها رؤية هندسية مختلفة، وقد تزداد رؤيتها المتخيلة جمالياً، لكننا ومع ذلك لا نستطيع التشكيك في الوصف المعقد الذي اتبعه، وكذلك بالمواقف التي يتبينها. (أين الأبواب الجميلة؟ وصفائح الزجاج الفاتنة؟ ونجارة دي هانسي الدقيقة اللطيفة؟ ماذا فعل الزمن، ماذا صنع رجال هذه الروائع المعجبة؟ وما الذي أعطيناه بديلاً عن هذا كله)، مما يجعلنا نتساءل: ما هي الطرق والأساليب التي يتمكن بها الروائيون من الإمساك بالفنانين البصريين والمهندسين المعماريين والكتاب؟ وكيف تمكنوا من جعل ممارساتهم تتوافق مع المتطلبات الجديدة للأدب الروائي الذي تميز به هوغو أولاً؟

فالكاتب لا يكتفي بإثارة الإعجاب، وفرض التأملات الهندسية لبناء تراثي قديم، بل يحاول فرض التماهي مع هذا البناء الهندسي من خلال البناء الروائي المفعم بالتخطيط البصري غير المرئي، بل المتخيل بفن تصويري مكتوب من خلال المراوغة (وصار المعبد الذهبي بفضل هذه العملية الفكرية الآن، لا يقل جمالاً عن جماله في صورتي الذهنية. كل ما كنا نعرفه هو أن السماء قد تمطر غداً نيراناً، وسوف تستحيل رماداً، إذ ذاك، تلك الأعمدة الرشيقة المنحنية السقف والأنيقة لن يقع بصرنا عليها مرة أخرى). فالصورة الذهنية المبهرة، التي قدمها ميشيما بأسلوب هو جوهر تصميمي لتراث ياباني تدفقت فيه التخيلات التي تنطوي على فنون تصويرية استحضرها ميشيما، لتشكل روايته لوحة غير قابلة للزوال بمظهر أدبي ينتمي للمنطق البصري هندسياً، وبأشكال جمالية لخطوط فنية في الأسلوب المتشبع بواقع موجود لمعبد بني في عام 1397، وتم إحراقه في عام 1950، وأعيد بناؤه بالكامل في عام 1955، وتم تجديده في عام 1987، وهو أحد مواقع التراث العالمي لليونيسكو منذ عام 1974، محاولاً بذلك ميشيما تصوير مدينة كيوتو على غرار (فيكتور هوغو) لأن المعبد هو رمز ياباني تقليدي وبرؤية فلسفية أفلاطونية.

أحياناً يحمل الكاتب هموم الأمكنة التراثية القائمة منذ آلاف السنين في موطنه، فيرسمها في لوحة روائية مناسبة باختصار لرؤيته حيال الفناء، والاندثار الحجري أو الأثري أو بمعنى أصح الهلاك المكاني لأزمنة عبر أهلها إلى الضفة الأخرى ومايزال بعضها ينتظر. فيتطور النص الهندسي كتوسيع بنيوي له يشبه ما يريد إظهاره الكاتب من حيث قوة التشييد والمعنى الرمزي الذي يعنيه المكان لهذه العمارة التاريخية، كما في رواية (المعبد الذهبي) ليوكيو ميشيما، ويتم اختبار التفاعلات السردية والبنائية، والوصف المتقن كتأكيد على وجوده من قبل أو حتى وجوده أثناء كتابة الرواية. وبغض النظر عن إمكان احتفاظ الصورة بمكانتها إلا أنه يمنح المكان جمالية عالية الدقة روائياً، وهذا هو الحال مع الكثير من الروايات الأخرى، كرواية (الهرم) لإسماعيل قادري الذي مارس استحضار بناء الهرم، وبرموز متعددة منها السياسي ومنها الجمالي الفني المرتبط بقوة هذا الهرم وتحدياته في البقاء، وكأنه نواة مشعة بصرية وسرداب روائي نسير فيه لنكتشف قيمة الجوهرة المسماة هرم بدون أن تتكرر هذه الهندسة النادرة الوجود في أمكنة أخرى. فهو منح الكلمة الهندسية إعادة تخيلات إعماره، كاشفاً عدة معانٍ هندسية في المعنى الروائي الحرفي، كما فعل فيكتور هوغو ويوكيو ميشيما. فهل الهرم يمثل قوة استبدادية حتى في فن العمارة وجماليتها؟ أم أن إسماعيل قادري التزم بهذا الرمز لقوته التاريخية والأثرية؟

إن الكلام عن جمالية فن الهندسة أو الفن المعماري الأثري مرتبط بعلم الجمال الأدبي بشكل خاص، لكن ليس رابطاً أساسياً من حيث القدرة على البناء، وإنما اكتشاف تفاصيل عظمة البناء، لمنحه جمالية أدبية في رواية تحتفظ بمعالمه الأثرية كرواية (الهرم) ورواية (أحدب نوتردام) وأيضاً (رواية المعبد الذهبي) ليوكيو ميشيما، لأن الجماليات الهندسية في الأدب الروائي ليست في الأصل إلا الجمال السردي والخطابي حول الفن في زمن القرون السابقة، بل هي الخطاب الجمالي عن الإحساس الفني بالأمكنة الأثرية. على العكس من ذلك، إنها مسألة ارتباط تاريخي عميق بالمكان الذي ينتمي لوطن ما، امتلك هويته بالكامل واستطاع الاحتفاظ به على مر التاريخ مثل كنيسة نوتردام التي تشهد عليها لغة (فيكتور هوغو) ولغة (ميشيما) تشهد على المعبد الياباني العظيم بأسلوبه الساحر وتصويره التشويقي، والتي تعتبر جمالية ما ترضي الإحساس بالجمال غير المرئي أي قبل العين التي ترى بصورة مادية، وهذا يعني أنه يمكن للمرء أن يحكم على الجمال الفني الهندسي بالذوق الجمالي الحسي. فحواسنا لا تتحسس الجمال الذي يقدمه لنا الكاتب، ويجعلنا كمتفرج على العظماء من المهندسين في القرون السابقة مثل رواية (الهرم) لإسماعيل قادري، بل يُقدَّم أيضاً تصويراً بطريقة الوصف السلس وبأساليب مختلفة لرؤيته للمكان أو بابتكار جمالي يتوازى مع الحقيقة. بل يزيدها جمالاً معنوياً وجوهرياً. علاوة على ذلك، خضع هذا المفهوم الجمالي للكثير من الكتاب، ولكن (فيكتور هوغو) هو من أبدع فيه بطريقة تثير دهشة القارئ الجمالية وتمنحه رؤية تاريخية كبرى لشيء تم تشييده في قرون قديمة، وطرأت عليه الكثير من التغيرات في عصور عايشها الكاتب، وأضافها لزمان الرواية، مما جعله بطريقة ما لا يسقط من التاريخ أبداً لأن الجمع بين هذه التصويرات يجعل الارتباط بين الجمال والإحساس جسراً للتمايز بين المتفرج كقارئ، والإبداعي الهندسي للمعماري الصانع هذه الكنيسة أو هذا الهرم أو ذاك المعبد الجميل وبنسبية تاريخية هي رواية جعلها الفكرة الخالدة لجمالية المكان. فماذا نقول في نهاية قرن احترقت فيه كنيسة نوتردام؟ وهل الهرم يوحي بقوة البناء وجمالياته أم باستبداد من استطاع تكوينه حتى النهاية؟ وهل استخدم الكاتب هندسته الجمالية ليبني رواية محكمة البناء؟

https://www.arabicmagazine.net/arabic/ArticleDetails.aspx?id=8499

الأربعاء 30/03/2022