7 كانون الأول 2021 12:00ص
الإنسان وقضاياه الحياتية في فلسفة الفنان خليل شعبان
ضحى عبدالرؤوف المل
استوقفني رحيل الفنان التشكيلي «خليل شعبان» الذي لم يكن ليترك ريشة تبحث عن الإنسان وقضاياه في فلسفة تأمّلية غارقة بالتعرجات والالتفافات التي تخفي الكثير من المعاناة الإنسانية. فالمرارة الجمالية تركتني في حيرة تساؤلية عن قيمة حياة الفنان بعد رحيله من خلال لوحاته التي تؤرخ لمرحلة عاشها، واستنبط منها رؤيته ومساراته واستنتاجاته، وحتى بصمته الخاصة في فن ولد منه، وبقي فيه بين حياة تركها جسداً وأخرى بقي فيها لونا وصورة، ضمن نظريات تشكّلت في كل لوحة بحث فيها عن طبيعة الإنسان وارتباطه بالمكان، وبخطوط ذي مصطلحات تشكيلية خاضعة للغموض ومعناه وفوضيات المجتمعات التي تؤثر على الإنسانية بكاملها. إذ يفرض الفنان «خليل شعبان» الأشكال من خلال اللجوء الى لعبة الظل وتناقضاتها بين الأبيض وتلاشيه، وما يتراءى من خلاله حسياً بعقلانية تتكون أساسا من مجموع العلاقات بين الخطوط التي يربطها بالفراغات بمنطق يجمع بين الأنا والآخرين، وقوة الفرد في مجتمعه من خلال الجماعة، وبشكل يتضح في الأسلوب الذي مارسه «خليل شعبان» في أغلب لوحاته التي تميل الى تجسيد الإنسان وما يعانيه من ظلم في مجتمعات تئنّ من الأوجاع، فالخطوط اللينة في أعماله توحي بالعاطفة الوجدانية التي تتملكها ريشته المحافظة على تمايلها بين لون فاتح وآخر فاتح مع إبراز الفواصل وأهميتها، والفراغات وما تمنحه من معنى جمالي وإنساني. فهل الإنسان وقضاياه الحياتية في فلسفة الفنان «خليل شعبان» اتضحت بُعيد رحيله عن الدنيا؟ أم أنه حافظ على المعنى الإنساني في فن تشكيلي هو من أخلاقيات الحياة التي عاشها، وأضفى عليها جماليات لا تنفصم عن ذاته وليس من السهل تقييمها أو حصرها في مقال؟
سعى الفنان «خليل شعبان» من خلال عدة نقاط سوسيولوجية التركيز على التمايز الاجتماعي، وأخلاقيات وجود الإنسان ضمن أماكن يهجرها وأخرى يناضل فيها من أجل البقاء. ليساعد في تثبيت القضية الإنسانية التي اشتغل عليها، وتركها كلمسات جمالية تتلاقى فيها حضاراته التي تكوّنت بصريا مع أخلاقيات العمل التشكيلي وانفتاحه على قضايا الوجود برمّته في مجتمع بلغت الصراعات فيه قوتها، فالأزمات وتصوراتها هي تعبيرات مفتوحة على بنى مجتمعية وضعها شعبان بين هلالين ضمن المسألة الاجتماعية وتأثيرها على الإنسان الذي ينتقل بين عدة أمكنة تؤثر عليه، فالتضامن الضوئي بين الفواتح والغوامق يشير الى تعزيز قوة البقاء والنضال من أجلها، لأنها تؤدي الى بناء أخلاقيات جديدة هي رؤية لمرادفات الحركة في لوحاته والتي تميل الى الولادات الجديدة حيث كل رحيل أو هجرة أو نزوح يتبعه ولادة جديدة في مكان آخر. فهل أدرك الفنان «خليل شعبان» معنى الفلسفة الجمالية وقوتها في خلق الإنسان الجديد الذي يتحدّى صعوبات الوجود؟
تبلغ العاطفة ذروتها في الضوء الذي يجعل منه الفنان «خليل شعبان» رؤية تتضح معها لعبة الألوان الذي يجعل منها مسارا تتحد معه المعاني، وفق تضاد العمق والتسطيح والانفصال والالتحام. إذ يشير الى تلاحم الانسان في أمكنة ما وانفصاله عن الذات والآخرين ضمن مكان ما يتركه كعلامات استفهام ما هي إلا نقاط البداية والنهاية، وجدليتها حيث تبلغ الايماءات قصوتها في لوحاته عند الوصول الى إبراز عاطفة المرأة أو الطفل بعيداً عن الرجل وصراعاته في الحياة، كأنه يزرع في كل لوحة وجوها تُقبل على الحياة، وأخرى ترحل عنها وفي وجع وألم وانكسار وتضحيات ترمز الى قوة البقاء والحفاظ على الأرض وغصن الزيتون والطفولة والمرأة، وبموازنات بين الألوان وشفافيتها الضوئية القابلة الى التعتيم مع الحفاظ على المعايير الجمالية المدروسة. فهل معاناة الألم في لوحات الفنان «خليل شعبان» هي فن المأساة الإنسانية أو فن التراجيديا التشكيلية؟
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%88%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D9%86/