الفن العربي بين بيروت ولندن: جسر التحوّل وإعادة تشكيل الوعي
ضحى عبدالرؤوف المل
ينهض معرض الفن العربي بين بيروت ولندن بوصفه حدثاً ثقافياً يتجاوز حدود العرض البصري إلى مستوى الفعل التاريخي والمعرفي. هو ليس مناسبة فنية تُضاف إلى روزنامة المدن المرهقة، ولا مظاهرة فنية عابرة تستثمر فضول لحظات مؤقتة، بل محاولة واعية لإعادة بناء حضور الإنسان العربي في فضاء عالمي يعيد تشكيل موازينه الثقافية والرمزية باستمرار. في لحظةٍ تجهد فيها المجتمعات العربية كي لا تغرق تحت وطأة التفكك وفقدان المعنى، يأتي هذا المعرض كفعل مقاومة معرفية، ومساحة استعادة للذات، وإعلان بأن الثقافة ليست ترفاً، بل شرطاً أساسياً للوجود.
إن أهمية هذا المعرض لا تكمن في عدد الفنانين المشاركين ولا في تعدد الجنسيات أو تنوع المدارس الفنية، بل في كونه منصة تجمع بين رؤى متباينة تنطلق من أرضية مشتركة: الرغبة في إعادة تعريف الوعي العربي من خلال الفن، وفي بناء جسر حضاري فكري وجمالي بين عاصمتين تشكلان رمزين متناقضين ومتقاطعين في آن معاً. بيروت بوصفها ذاكرة الصراع والحلم، ولندن بوصفها مجالًا رحباً للتداول العالمي.
في المنطقة العربية، حيث تتراكم فوق الإنسان العربي طبقات متتالية من الانكسار والخذلان والإحباط، يصبح الفن شكلًا من أشكال المقاومة غير المسلحة. حين تنهار البنية السياسية وتتفسخ البنى الاجتماعية، يصبح الفن ضرورة لا ترفاً؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يستمر دون أن يمتلك لغةً للتعبير عن ذاته ومصائره، لغةً تحافظ على قدرة الروح على إدراك نفسها.
هذا المعرض يأتي ليقول إن البقاء ليس فعلًا عضوياً فقط، بل فعل وعي وتجدد. الفن هنا ليس عملية تجميل للخراب، بل طريقة لكشف أسبابه وفتح أبواب السؤال. فمجتمع لا يسأل، لا ينظر في المرآة، ولا يتأمل الخراب حوله وداخله، محكوم بأن يكرره. وفي زمن تهيمن عليه الصور النمطية عن الإنسان العربي، يظهر الفن كأداة لإعادة صياغة السردية الذاتية بعيداً عن الخطابات السياسية والدعائية التي اختزلت الإنسان العربي في رموز الصراع، لا في معاني الحياة.
من الصعب الحديث عن بيروت دون المرور على ندوبها الكثيرة. هذه المدينة التي عانت الحروب، والدمار، والانفجار، وانهيارات الاقتصاد، ما زالت تعلن حضورها الثقافي بشراسة الكائن الذي يرفض الانقراض. ما زالت، رغم التعب، تشكّل مختبراً للخيال العربي، ومسرحاً مفتوحاً يتصارع فيه الفن والمعنى مع قوى الظلمة. لإهل إقامة دورة جديدة من معرض الفن العربي فيها ليست قراراً تنظيمياً، بل موقفاً معرفياً وأخلاقياً وجمالياً ؟
هذا المعرض يحضر كفعل شفاء، لكن ليس شفاءً سطحياً بل شفاء معرفياً ، يعيد تركيب الوعي الجمعي، وينقذ الإنسان من التحول إلى كتلة صامتة. كل لوحة تُعرض في بيروت هي وثيقة مقاومة أمام الانهيار. كل فنان يقف في هذا المعرض يعرض روحه قبل عمله. كل زائر يخطو بين الأعمال يشارك في عملية استعادة الهوية.وهذا ما يجعل المعرض مختلفاً جذرياً عن الفعاليات الاحتفالية التقليدية، فهو لا ينطلق من رغبة في إثارة الإعجاب، بل من حاجة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قيمة الإنسان العربي نفسه.
إذا كانت بيروت مساحة مواجهة مع الداخل، فإن لندن مساحة مواجهة مع العالم. الانتقال من مدينة عربية جريحة إلى عاصمة ثقافية عالمية ليس حركة جغرافية، بل قفزة رمزية تقول إن الفن العربي لا يقبل أن يُحاصر في إطار الضحية أو الهوية المعزولة.لندن، إحدى أهم أسواق الفنون في العالم، تمثل مساحة اختبار حقيقية لقيمة العمل الفني وقدرته على الحوار مع مخيلات أخرى وثقافات أخرى.
إن عرض الفن العربي في لندن لا يعني طلب الاعتراف من الآخر، بل يعني إعلان القدرة على المشاركة في صناعة معنى عالمي، خارج الثنائية المتعبة بين “الغرب المنتج” و“الشرق المتلقي”. هنا يصبح الفنان العربي شريكاً لا تابعاً، منتجاً لا مستهلكاً، مساهماً في تشكيل الحس الجمالي العالمي من موقع الفاعل لا من موقع المراقب الخائف. فهل يستطيع الفن العربي أن يخرج من الهوية النمطية والدور الفولكلوري ليصبح خطاباً عالمياً نقدياً؟
ثمة فهم شائع للفن يقصره على قيم الشكل والجمال. لكن الفن العظيم هو الذي يتجاوز حدود المتعة البصرية ليصبح مساحة تفكير، منطقة اشتباك مع الأسئلة العميقة وهي كيف نرى العالم؟ وكيف نتخيل المستقبل؟ وكيف نواجه الوجع والخسارة؟وكيف نعيد بناء مفهوم الحرية؟
الفن في هذا الحدث لا يريد أن يرضي العين، بل يريد أن يهز الوعي. فالفن الذي لا يحدث صدمة معرفية، لا قيمة له إلا كسِلعة تجميلية. كل عمل فني قادر على تحريك سؤال واحد داخل عقل المتلقي أهم من آلاف اللوحات التي تكتفي بإعادة إنتاج المألوف. فهل معرض الفن العربي نموذج لسوق ثقافي جديد؟
في المنطقة العربية، لطالما ظل الفن أسير الاحتكار النخبوي أو أسير الخطابات الرسمية. والنتيجة كانت إضعاف دوره وتحويله إلى حالة هامشية.لكن هذا المعرض يقدم نموذجًا آخر: نموذجًا يقوم على العدالة الفنية، على احترام قيمة العمل لا قيمة الاسم، وعلى خلق مساحة لقاء حقيقية بين الفنان والجمهور، بعيدًا عن منطق الوساطة الاستهلاكية. إن السماح للفنان المستقل بالوقوف جنباً إلى جنب مع فنانين أصحاب تجربة طويلة يفتح الباب لإعادة توزيع الشرعية الفنية على أساس الجودة لا على أساس السلطة الرمزية. وهذه خطوة مهمة في صناعة مستقبل مشهد فني عربي ديمقراطي.
إن أهمية معرض الفن العربي بين بيروت ولندن لا تختصر في كونه حدثًاً فنياً، بل في كونه مساحة لإعادة صياغة الوعي والهوية، ووسيلة لاختراق الجدران العالية التي بنتها السياسة والاقتصاد والخوف. هو إعلان أنّ الثقافة لا تنحني، وأن الفن العربي لا يقف على أطراف التاريخ، بل يدخل قلبه.هذا المعرض لا يضع الفن في موقع الترف، بل في موقع الضرورة.لا يضع الفنان في موقع الزينة، بل في موقع الفاعل.لا يضع الجمهور في موقع المستهلك، بل في موقع الشريك.إنه جسر لا يصل بين مدينتين فقط، بل بين رؤيتين: رؤية ترى العالم مساحة صراع على البقاء، ورؤية ترى العالم مساحة صراع على المعنى. وما لم نصنع معنى جديدًا، فلن نصنع حياة جديدة.
هو معرض يجسد فكرة الجسر الثقافي الفني الجمالي المعرفي الفكري... لا الجسر السياحي ولا الجسر التجاري ، بل الجسر الفكري.جسر بين بيروت ولندن، بين الذاكرة والمستقبل، بين الداخل والفضاء العالمي، بين الفنان والمجتمع.إنه جسر معرفي ينتقل من السؤال: “كيف نُرى؟”إلى السؤال: “كيف نريد أن نُعرف؟”