مسيرة هندسية يمكن منحها عنواناً حسياً.. خطف بصري

ضحى عبدالرؤوف المل

الثلاثاء 30/08/2022....تم نشره في المجلة العربية عام 2022

اكتسب فن النحت في لبنان أهمية خاصة من جهة تحديد مسارات المادة الحجرية وعلوها، وتشكيلها هندسياً وفق الأبعاد المستقبلية التي تمنح الزمن لغة جامعة من حيث تحديث المنحوتة وجعلها قادرة على مخاطبة الأجيال من خلال شكلها الهندسي المرتبط بالطبيعة وتطور مادتها الحجرية، المحافظة على نوعية قابلة للترويض النحتي، والبقاء مدة من الزمن بالحفاظ على نفسها أو تقسيماتها، لتتنامى الفكرة شكلاً ومضموناً وفق مسيرة هندسية يمكن منحها عنواناً حسياً هو (خطف بصري) لأن من يتأمل منحوتات الفن اللبناني يدرك القيمة التأملية إن ابتعدنا عن كلمة الصوفية الغارقة بهندسة الكون والاستبصار الذي يكتنفه الغموض في الكثير من التفاصيل التأويلية، والكواليس الممكن إدراكها من استكشاف خبايا كل منحوتة أو مراحل تصميمها الأولى، وكأن الشرارة النحتية خرجت من مخيلة تأثرت ببصيرة نحات أدرك سر الكون، وأبعاده الزمنية.

خلال مسيرتي في البحث عن الفن التشكيلي العربي والغربي أو العالمي إن أردت قول الحقيقة كاملة! لمست قيمة منحوتات كثيرة في كل فن افتقدت فيه الرؤية المستقبلية لهذا الفن، لأن كل منحوتة من منحوتاتهم هي محاكاة للزمن بأكمله وتتجدد وتصبح قادرة على تحديث نفسها هندسياً، إذ يمكن تحديث الفكرة انطلاقاً من التصميم الأولي لكل منحوتة، فنجد أن فيها من الخلايا النجتية ما هو حي بطريقة غريبة بمعنى آخر قد ينبثق منها عدة مقاييس لعدة رؤى، وكأن المنحوتة تنتظر كل زمن ليخلق منها فكرة أخرى، فهل أرض بلدة (روشانا) في لبنان هي أرض كنوز الأحياء من الجماد الحجري الذي يصرخ هنا لبنان؟

لم أجد في الفنون التشكيلية اللبنانية عامة قوة بصيرة جمالية تكتنز عالمياً فكرة الإرث الزمني الخالد القادر على مواجهة بصرية تنافس كل أنواع الفنون الأخرى، فالأبعاد والمدلولات الفنية تثير جدليات كثيرة من الفن الأيقوني المسيحي وصولاً إلى الخط العربي الإسلامي، فالإمساك بخيوط الفن التشكيلي عامة تحتاج إلى العودة إلى نقطة الصفر، وهي المحك الأساسي ونقطة الارتكاز التي يجب الانطلاق منها للقدرة على خلق المفاهيم الجمالية بجزئياتها، إذ ليس هناك أي فن محوري يستطيع رفع لواء التميز كفن (النحت البصبوصي) تحديداً، الذي اعتبره بحق أباً لكل الفنون التي جاءت خجولة، لأنها تستند على المحاكاة المحلية، وليست العالمية كما هي الحال في منحوتات (البصبوص) أو هوغت غالاند وغيرها، فهي تتعايش مع الواقع الزمني وتتطور معه، بل وتؤطر الفكرة، فتتماشى مع كل مخيلة تنظر إليها، وتنشد فك أسرارها إن جاز التعبير، لأن الحركة هي الميزة الأساسية في نسبية البناء النحتي والإحساس بقوة السلام البصري الناتج عنه، إذ تشكل كل منحوتة من منحوتات ميشال أو ألفرد أو يوسف الأسس البصرية الجمالية التي يمكن الانطلاق منها لتكون الحبكة الحسية منسجمة إيقاعياً مع الحواس بأكملها، فخلود الحجر ليس في المادة التي تكون منها، إنما من الشكل المقاوم للبيئة وتحدياتها من خلال مقاييسه النسبية وغير ذلك.

تنبع فكرة الإنسانية وجماليتها من الفكر التأملي الغارق بأسرار الكون اللامحدود، وبلانهائية مفتوحة على عدة احتمالات لها نتائجها المرتبطة بعقلانية الرؤية القادرة على فهم امتداد الكون واتصال الإنسان بالعوالم الماورائية عبر لغات مختلفة، إن بالنحت أو الرسم أو الموسيقى أو الكتابة، إلا أن أعظمها هو النحت لما يحمله من رسالة طبيعية تتنافس مع كل البيئات أو المجتمعات مهما اختلفت ألسنتها، لأنها تنمو مع الأجيال، كنمو الجبال وعلوها المثير للدهشة وبمعادلات موضوعية تتخذ منحى نحتي إلهي من نوع آخر، فالله الخالق الأكبر وما نراه من معجزات في الكهوف خاصة من الذين ينحتون من الجبال بيوتاً، فكيف لا يتكون الجمال ويد الله تصنع المعجزات؟

تتضح العاطفة التقنية في المنحنيات النحتية ومداركها الفراغية، مهما طغى الجمال على العين التي ترى العالم، كوحدة جمالية مصقولة، لها مقاييسها المحددة، وأبعادها التكونية، لابد بعد ذلك أن تدرك الحواس المتناقضات ومفاهيمها في الرياضيات، التي تجعل من النحت علم جمال فني قادراً على إثارة الدهشة، وليس مجرد تماثيل تحتاج بث الروح فيها لعبادتها التي كانت في الوثنية تقبع تحت مؤثرات حواس الإنسان غير المدرك لقوانين الطبيعة ولوجود الله، فالإنسان كتلة لها نشاطها الفكري، وتكوينها الوجداني، وموازينها الجمالية التي استقطبت الأفكار المنطقية، وجعلت من الجسد قواعد فيزيائية حركية لمواد هي من بنية الطبيعة الإلهية التي نعجز عن فهمها مهما حاولنا، لأن القوة الداخلية لأي شكل من الأشكال الفنية هي التي تحاورنا من خلال خطوطها، وملمسها وارتفاعها وانخفاضها، وأبعادها وظلالها، واستقامتها وانحنائها، لأنها تعكس مشاعرنا الداخلية من عاطفة وغريزة وغيرها.

إن النقطة المهمة في أعمال (ألفرد بصبوص) هي نقطة بداية تنتهي بخط منحنٍ يتطور حوارياً، فتتناغم الأجزاء وتعطي الفراغ طراوة وليونة، لشكل ذي كتلة شفافة تكوينية تستحق التأمل، لأن العلاقة مع المرأة هي المحور الأساسي في التفكير الفلسفي المؤمن به، فهي تشبه علاقة الحياة الإنسانية مع الطبيعة، وهذا ما يعكس القيمة الجمالية في أعماله النحتية التي تختلف فيها الأحجام الفراغية نظراً لانحناء الكتلة كما في منحوتة (couple) ذات الشكل النحتي الذي يساعد الضوء والظل على التوازن، بينما يتخذ الارتفاع عند ألفرد في منحوتات أخرى بعداً فراغياً له وجوده الضوئي القادر على إبراز الحقائق الدقيقة في المادة الصلبة التي يستطيع تحويلها برقة إلى معانٍ لها مفردات نحتية، وتشكيلية توقظ العاطفة الإنسانية المكبوتة، فالتوازن الفراغي له مساحة، وزوايا تتشكل منها المنحوتة الصلبة كي تتجانس مع بصر المتلقي، فيلمح في إيحاءاتها عاطفة قادرة على جذب مشاعر تجعله يغرق في تأملاته باحثاً عن شكل الفراغ تاركاً للكتلة وجودها الموضوعي، القادر على تسليط الضوء الذي يعكس جمال الحركة داخل التجويفات الملساء، فيحولها إلى لغة نحتية لها أحاسيسها الصادقة التي تسمح بتطوير الأفكار، ونقلها إلى الحواس ميتافيزيقياً من خلال قدرة (ألفرد بصبوص) على التعبير الحنون، والمنعكس في انفعالاته الصامتة التي تتركز في منحنيات كل منحوتة تكلم معها بلغته البصرية الممتلئة بالحرية والحركة الداخلية.

في النحت ترى الكتلة ثابتة والفراغ متحركاً، والمحاكاة بينهما ينبثق البعد الثالث القادر على توسيع مدارك الرؤية ومفاهيمها، لتسع المخيلة وتخلق حواراتها بين الارتفاع والحجم، والخامة الطبيعية في همس درامي له صوت امرأة تحتضن طفلها وتغني له أغنية الحياة، فيسيطر على الخطوط الهندسية، ويضيف عليها حيوية تمتزج تجريدياً مع الطبيعة ليبدأ بمنحوتة (الأم وطفلها) بشق الفراغ لنتحاور معه بصرياً، قبل أن يبتكر لغة جدلية بين الداخل والخارج تاركاً للضوء تشكيل التضامن المتماسك بين الاثنين، من خلال أبعاد مدروسة جاءت بخطوط متوازية ذات مستوى تقني له كوامن نفسية ينتج منها ألفرد أفكاره ويسقطها على المادة، فتتجسد بمختلف الأشكال والأحجام، لنتشارك معه الجمال الرمزي وهو التمسك بالأم، الأرض، الوطن، المرأة، التي ترمز إلى قوة الحياة وغموضها، أو احتضانها للطبيعة المسخرة لها تاركاً لغة الزمن تندمج مع نقطة الوجود في رمزية تعبيرية.

تنوعت رؤية (ألفرد) في أكثر من منحوتة استطاع صياغتها وفق أساليب تشكيلية لها خاماتها المتنوعة من برونز وخشب وما إلى ذلك لما تحتويه من تأثير على الحواس، فللنحاس أو الخشب قوة تزيد من تفاعل الناظر إليه، لأنها تزيد من وجوده وحركته، كما أرادت له رؤية الفنان ليزداد الإرث الفني صلابة تمتد آلاف السنين، وتتميز بوجودها الفينيقي والروماني المتسلسل أيضاً لبنانياً مع ألفرد ليؤرخ حقبة لفن النحت ووجوده المميز عبر تاريخ مستقبل آتٍ.

توظيف حسي فني في خامات لها قساوة الحياة التي أنتجت تشكيلاً له أبعاده وعناصره الجمالية المألوفة للعين، ولزنجار يتلون ببساطة حياة طبيعية جعلها نقطة انطلاق نراها في أعماله من خلال احتكاك الكتلة مع الضوء، وصلابة تجعل من الفراغ عنصراً طبيعياً له انحناءات تتواءم مع الحجم في إيقاع ديناميكي يعادل قوة الخطوط والأشكال الهندسية العامودية منها والدائرية، فتتخذ أبعاداً متناسقة، ومتناغمة لتتلقى انعكاساً بصرياً كما تتلقى منحوتة (Moon) الضوء، فهي ذات رؤوس أفقية بارزة تعكس ظلال الخطوط العامودية، لتعطي للمتلقي إحساساً بالبعد الثالث الذي يترجم العاطفة والإحساس بالجمال في انفصال جميل له صلة ترتبط بالفراغ النسبي بين الكائنات المتناغمة والمتنافرة، وكأنه يؤمن بالحب ويرفض علاقات الجسد المادية الباهتة والخالية من الروح الخلاقة، بل وكأن المرأة في مفهوم ألفرد الفني هي الأساس التقني لجمالية النحت.

بناء منظم له نمط فني خاص به يتوافق مع أفكار يجعلنا نتساءل عنها! من هي الأم التي تتناغم مع طفلها؟ ما هي المادة التي تنطق بالحب بين زوجين؟ لماذا يتكور الفراغ في منحوتة أكروبات ويمتد في منحوتة أخرى؟ هل يبحث ألفرد عن حركة كونية داخلية تستطيع التعبير عن حركة الضوء داخل التجاويف المعتمة التي تحدث وجوداً آخر له ذاتيته الضوئية الخاصة؟ كيف لمادة صلبة أن تصبح شفافة وتخلق حوارها الخاص بها في أنفسنا؟ أسئلة جعلتني أشعر بالتعايش مع العناصر المستخدمة كلها التي ساعدت لبروز هذه الأعمال، فهي تخاطب الفراغ والزمن، لتثبت وجودها ككتلة لها وجودها الخاص ولها هوية لبنانية، هي هوية ألفرد بصبوص أو راشانا لبنان.

إن إعطاء صفة الجمال للمادة الصلبة قديماً جعلت العقل الضائع يقع في متاهات الفن لتستسلم النفس، وتشعر بقداسة ما لا تدرك سر ماهيته، لكننا اليوم ندرك أن الإنسان حاول معرفة صفة الجمال الخلاق في كل شيء من حولنا بدءاً من الطبيعة وحتى الحجر الذي استطاع الإنسان القديم استخدامه في شتى المجالات، مثلما استطاع الإنسان الحديث تكوين مفاهيمه الهندسية وإسقاطها على الخشب أو البرونز أو المادة الزنجارية أو حتى الصخرية، لصنع منحوتات تلتقط الأحاسيس وتحاورها، فتتفاعل النفس مع المخيلة وتتذوق الجمال الإبداعي.

إن أعمال (ألفرد بصبوص) غامضة وخيالية لأنها صامتة في حوارها التجريدي الداخلي، لكنها واقعية وطبيعية وغريبة الأطوار في أحجامها وتناسقها لأنها من عمق الطبيعة البشرية، ومن خارج الرؤية الكونية التي تعكس الأشكال المألوفة على العين، فنتحسس الانحناء كأنه عاطفة تفيض محبة لها فلسفة طوباوية أحياناً، كمنحوتة الأم وطفلها التي تجعلك تدرك لمسة الأم لطفلها، ولمسة الفنان لخاماته من خلال المظهر الحركي الهادئ في الفراغ

https://www.arabicmagazine.net/Arabic/articleDetails.aspx?Id=8785#:~:text=%D8%AF%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B1%20%D9%88%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9%20*,%D8%B9%D8%AF%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%201316.%20*%20%D8%A5%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%20*%20%D8%B7%D8%A8%D8%A7%D8%B9%D8%A9