مسلسل مذكرة الموت.. قـــــوة الاستنتاج المعـرفــي المتعلقة بالموت والوجود

ضحى عبدالرؤوف المل

تشكل المعنى المرئي من فكرة قد تنتمي لعلم الاجتماع المرئي، المصحوب بحبكة النص الذي يعتمد على ما تمنحه الرؤية من تعبيرات، يستقبلها الفكر المعرفي من خلال قدرة الكاتب على التقاط اللحظة الحاسمة أثناء تحرير الصورة بشكل حاسم، ويأتي ذلك عبر ترتيب تطورات الأحداث، والقدرة على استقبالها من خلال بناء الرواية التي من المفترض أن تقودنا إلى سرد هادف يتم تقديمه ضمن فن الصورة، وما تحمله الكلمات من سرد تصويري يتطور مع المونتاج البصري.

وفق العديد من التجانسات بين الصور المركبة وفضاءاتها القادرة على فهم اللغة، وواقعها الثقافي ضمن الحياة الاجتماعية التي يتم تقديمها. فالروايات النصية في هذا الفن يتم تقديمها من خلال تأثيرات المعنى، والأحداث التي تستند على المرئيات ومساراتها التي تتبع تجاوزات العتبة عبر قوة مونتاج الصورة وتعبيراتها، ومؤثراتها البصرية والسمعية، والفن التأليفي على نطاق الإمكانات الأيديولوجية لدى الكاتب والمخرج، والتحليلات التي يمكن تقديمها كشكل من أشكال التفاعلات البصرية والصوتية، والخلط بين منظورين من الأنماط السردية أحدها من خلال النص والكاتب، وغيرها من خلال الجسور التي تربطها الصورة وقدرتها على اختراق الشعور المتأجج للإصرار على مسألة فن الأنيمي الجاذب بتمثيل حركي ينبض بحياة شخوص نشأت من خلال تصورات الرسام الذي قرأ النص، واستنبط من خلاله الشخصية الأولى، كما في مسلسل ديث نوت (مذكرة الموت) وياغامي لايت أو كيرا الذي أخذ مذكرة الموت وقدرتها على التسبب بالقتل تبعاً لمفهوم الخير المعاكس. فهل الخلاف الفكري بين كيرا وريوك هو نتاج مثمر أدى إلى خلق الأحداث المثيرة في أكثر من ثلاثين حلقة، حيث تم وضع حياة لايت تحت المجهر بعيداً عن حياة المحقق الذي ترافقه الرائحة الكريهة. لتزداد المؤثرات شكلاً حسياً لا بد وأن تشمل مهمة المحقق لدرجة التحاقه بالكلية، لتصبح التنافسات بشكل شخصي أكثر ما تكون بشكل عام؟ ومن أين تأتي قوة الاستنتاج المعرفي المتعلقة بالموت والوجود؟ وهل مذكرة الموت هي كراهية الذات أم أننا جميعاً متساوون في أعين حاصد الأرواح كما يقول ريوك مالك مذكرة الموت الحقيقي؟

القصص المصورة وتطويرها ضمن فن الأنيمي أو التحريك المصور هو من سمات التصوير المعاصر ضمن القدرة على التفكيك والتعقيد لحركة الصورة والتعبيرات المقترنة بالجوانب الفنية المرتبطة بأنظمة التمثيل والإيماءات الحصرية في المشهد. بل حصره وفق الاختلافات والتناقضات الهادفة. لجعل البصر منفصلاً عن الواقع، برسومات لفهم انعكاسات فن التمثيل ومعضلاته. فمؤلف حلقات مذكرة الموت (تسوغومي أوبا) استطاع تشجيع الانتباه للأبعاد استناداً إلى الصور المكتوبة قبل المرسومة، كأنه يسلط عشرات الكاميرات الاحترافية المسلطة على التعبيرات الجسدية بشكل جمع بينه وبين مصمم الرسومات (تاكيشي أوباتا) والمخرج (تيتسورو أراكي)، فهل كاتب هذه الرواية الخفيفة (نيسيو إيسين) كان يتوقع كل هذه الأحاسيس الجسدية التي نبعت من حركة الشخوص في هذا الأنيمي الذي مر من نص منهجي مختصر إلى قراءة بصرية، ومن ثم مرحلة الحركة المرئية عبر الصورة أو الرسومات المستوحاة من المعنى الحقيقي للفكرة؟ ليتم تنظيم كل ذلك من خلال المونتاج والتحليل المبني على إبراز الواقع الضمني المؤسس لفكرة مذكرة الموت. فهل المختصر هو في بعض أقوال على لسان الشخصيات هو الجوهر؟ وهل السعادة التي تأتي من قتل الناس ليست سعادة حقيقية كما يقول لريوزاكي وهو من الشخصيات الأساسية؟ أم أن الشخصية النابغة (لايت ياغامي) أخطأ في مفهوم علم الجريمة والتحقيق وتطهير العالم من الفساد؟

لغز الحياة والفساد وعلم الجريمة، والتحقيق في كل ذلك؛ هو رصد القوة في ردات الفعل التي تثيرها الشخصيات في القبول والرفض، بشكل مذهل وخيالي لا يخلو من قساوة لواقع يريد من خلاله الكاتب الوصول إلى الكمال المعجزة، بتشويق ومهارة إبداعية استحوذت على اهتمام جماهيري كبير بين الصغار والكبار، وبتركيز سردي منطقي ومقنع بمراوغاته. إذ لا شىء يمكن التنبؤ به بشكل كامل مهما حاولنا ربط التحليلات بالأحداث في الماضي والحاضر. لنتجنب الكوارث في مستقبل لم يكمله بطل مذكرة الموت، لأنه قرر الانتحار بعد تعقيدات مكثفة من لايت الشخصية الجوهرية ذات التطلعات العبقرية المعتقد أن الشر هو غاية الوجود وأن الخير لا يمكن الوصول له إلا عبر قتل الكثير من الأشرار. لنفقه في النهاية أن العلة الحقيقية في الجريمة هي الأخطاء التي يرتكبها الأغبياء الذين يريدون التحكم بالقدر أو بحيوات الناس، والبغض الأخلاقي الذي تثيره جرائم كيرا بمساعدة ريوك وريم وغيرهم. فهل يمكن التعاطف مع الشخصيات التي تم قتلها أم مساندة ريوك في مسعاه لإثبات أن العالم يحتاج للتطهير من الأشرار دون التفكير بالوسيلة؟ وهل يمكن تصنيف المجرم والبريء بعيداً عن الإرادة الحرة للإنسان؟

بشر حقيقيون في قصة إنسانية ذات تجاذبات فكرية عالية المفهوم لعالم الجريمة الكاملة، (حيث سقطت تفاحة وعرفوا معنى الجاذبية وسقطت مئات الأرواح ولم يُعرف معنى الإنسانية) - كما يقول ريوك، الضجِر من روتين حياته التي لا موت فيها. إذ لا يهم كم أنت موهوب، فلن تستطيع تغيير العالم لوحدك، وما من جريمة كاملة عبر الزمن، فيصبح الخير مقابلاً للشر والعكس صحيح، ضمن الصراع الأخلاقي والإنساني بين الرجل الطيب والرجل الشرير والقصة المحبوكة بنظريات واستنتاجات هي جدليات قوية لا يمكن وضعها إلا ضمن اعتبارات لخلاصات تنم عن قدرات الحماقة والذكاء في خلق ما يثير لجعل مذكرة الموت ذات تفاصيل لا يمكن أن ينتصر الشر فيها بشكل كامل، وإن رافقها الشر من البداية وصولاً إلى الحلقة الأخيرة، والمفهوم المحكوم بالشر والجريمة ومسارات كل ذلك. فهل صياغة الشخصيات في مذكرة الموت هي حبكة درامية ذكية في أهدافها ومعتقداتها، بل حتى في مرونتها الحركية في التصوير البصري المعتمد على قوة الرسومات دون تباطؤ. ليتم تقوية الحلقات بفهم درامي تطور بشكل ممتع بين حامل مذكرة الموت وصاحبها، وقوة الصراع بينهما لإثبات أن الشر والخير هما السالب والموجب أو الأبيض والأسود في النفس الإنسانية التي تتصارع مع الذات بشكل مميت. أم أن الانتحار هو قتل بطريقة عكسية لا يمكن فهمها غير ذلك وحتى لا يمكن التسامح بفكرتها المميتة والمؤذية في المجتمعات؟ أم أن انتحار البطل هو للوصول إلى مفهوم أن الشرير ضعيف مهما بدا قوياً في لحظات متعددة؟

سرد مستفز يتناسب تخيلياً مع ما هو عاطفي ومختلط عقلانياً مع ذكاء البطل غير المنتمي لمجتمعه بالكامل والمنافس لأبيه. فالأصالة والذكاء هما المزيج المرئي الذي يأخذ من مفهوم القصة قيمة حركة الشخصيات، وبحماسة ننغمس معها أخلاقياً. لنرفض القبول بالتحولات للشخصيات من الشر إلى الخير وبالعكس. فهل يمكن استغلال مذكرة الموت لتكون ورقة بحثية اجتماعية لعلم الجريمة المثير للإعجاب. إذ أن لكل بطل شرير كبوة في ثغرة لا يمكن كشفها بسرعة قصوى؛ لأن كل حدث هو مبارزة عقلية شديدة المتعة، وتثير الإعجاب حتى بفن الخلفيات الموسيقية والاستثنائية في العديد من المشاهد بمنعطفاتها المختلفة علواً أو انخفاضاً دون بخل في التفاصيل الأخرى المرتبطة بدراسة كل شخصية وردة فعلها، وبعمق رمزي كسبب اختيار الوفاة والمقامرة بحياة الناس من أجل الترفيه فقط. فهل التقلبات والتكتيكات الذهنية تهدف إلى الإقناع بتحليل أسباب الجريمة وخلو العالم من الشر؟ أم أن مذكرة الموت هي دراما نفسية لعدة سيناريوهات تمتلئ بالواقع المتصل بالتعاطف والكراهية لشخصيات تميل إلى الخير أو الشر؟

تتميز أنيمي (مذكرة الموت) بجماليات متعددة من تصميم الشخصيات وصولاً لإلى الموسيقى التصويرية، والأصوات المرافقة للانفعالات بأشكالها المختلفة، وبأوركسترالية العرض والمكتسبات الذوقية في الحركة والوقوف والانطلاق وحتى الكشف عن جنس كل شخصية وصفاتها في حبكة تبلغ مستويات غير متوقعة تشويقياً. إذ تصبح الحلقات الأخيرة قوية جداً، وباحتراف درامي كشف عن لعبة تنافسية بين الكاتب ورسام الشخصيات دون تحديد للإطار الزمني لهذه القصة التي تعتبر نوعاً من البحث الاجتماعي بعيداً عن الملل والاقتضاب. حيث تنجح خطة العثور على مذكرة الموت من قبل طالب المدرسة الثانوية لايت ياغامي المتأفف من الضجر في حياته الأكاديمية فتستفزه الفكرة التي تقوده إلى حتفه، وهي تخيل شخصاً في ذهنك وأنت تكتب اسم الشخص في مذكرة الموت يموت بعد أقل من ستين ثانية إثر أسباب متعددة كنوبة قلبية أو دماغية، فالأمور الاجتماعية هي قراءات مختلفة لعدة نظريات في عالم الجريمة ودراستها من خلال مذكرة الموت وما تنطوي عليه من نظريات إرشادية تتواجه من خلالها تباينات الأحداث من أجل إثارة كل ما من شأنه أن يحفز الخيال. فهل هذه الدراما تعكس قيمة العلاقة التقليدية بين النص والصورة؟ أم أن صياغة القصة وترتيبها الحركي هو من ضمن إمكاناتها الفنية المفيدة في تبني الكثير من النظريات في علم الاجتماع؟

https://www.arabicmagazine.net/arabic/ArticleDetails.aspx?id=8892#:~:text=%D9%88%D9%85%D9%86%20%D8%A3%D9%8A%D9%86%20%D8%AA%D8%A3%D8%AA%D9%8A%20%D9%82%D9%88%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%AC%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%82%D8%A9%20%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D8%9F%20%D9%88%D9%87%D9%84&text=%D9%84%D9%8A%D8%AA%D9%85%20%D8%AA%D9%82%D9%88%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%AA%20%D8%A8%D9%81%D9%87%D9%85%20%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%8A%20%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1%20%D8%A8%D8%B4%D9%83%D9%84%20%D9%85%D9%85%D8%AA%D8%B9%20%D8%A8%D9%8A%D9%86%20%D8%AD%D8%A7%D9%85%D9%84%20%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA%20%D9%88%D8%B5%D8%A7%D8%AD%D8%A8%D9%87%D8%A7%D8%8C

الإثنين 31/10/2022