عمل فني صامت ينطق لونياً بحقوق الإنسان واحترام الحياة.

ضحى عبدالرؤوف المل

تختنق الألوان في لوحات الفنان "طلال معلا" ليتنفس اللون الأبيض رحيق الحياة، حيث الاتجاهات المائلة التي تميل مع المعاناة، وشدة ألم أو فرح. إلا أنه يمتلك تصويرات جوهرية تنبع من الداخل الإنساني، لتنطلق نحو الخارج بكينونة ذاتية تترك أثرها على ريشة إيقاعاتها نغمة سكون شبيهة بصوت الماء. لأن الحركة في لوحات الفنان "طلال معلا" هي لعبة نور وعتمة أو ظل ضوء، ولعبة داكن وفاتح، وخطوط لونية تمتزج مع عبق المعنى الموضوعي في لوحات نسمع صوت ربيع ألوانها، ونستمتع بخريف ظلاله غائمة، وبشتاء أبيض ينبع من جرأة اللون الأبيض الصارخ بأوجاع. يريد الفنان "طلال معلا" محو أوجاع الإنسانية كلها من خلال الرموز الدلالية، والمجهولة تعبيرياً حيث تبدو الملامح فاقدة للرؤيا، وتفتش عن ذاتها في كل الاتجاهات، ولا تستطيع الاقتراب من الخط المستقيم. لأن شخوصه مجرد أهواء تميل مع أي عاصفة، لكنها تبحث عن الحياة وتحاول مقاومة الريح. كما تقاوم ريشته الأسلوب التجريدي لتتشظى في أساليب رمزية وتعبيرية وانطباعية جمعها في عمل فني صامت ينطق لونياً بحقوق الإنسان واحترام الحياة.

يتواصل الفنان "طلال معلا" مع العالم الخارجي من خلال فكر فني يميل إلى رمزية غامضة، يتركها لتعصف ذهنياً بمتلقٍ يتأمل كل لون، وكأنه كائن حي ينادي بالوجود وبحق تقرير مصيره، ملامساً بذلك واقعية تجعلنا ندرك قيمة النص الفني التشكيلي المقروء بصرياً في عمله الفني الذي يتوجه به إلى العالم في ظل عولمة سريعة الانتشار تشبه ومضة اللون الأبيض، وبرمزية سيف بشطر الماضي والحاضر، ولكن بانتظار مستقبل مجهول. ربما يبدأ بكارثة تعيد له الحياة التي يبحث عنها، ليحيا بسلام وسط الألوان الإنسانية المتعددة في كون تجمعه عناصر شبيهة بعناصر اللوحة القادرة على منح رؤية تعيد لنا النظر والإحساس بالجمال، والعودة بعد موت فكري ترك الإنسان كأجساد خاوية لا مقاومة فيها، وهي مائلة حتى من الضوء. لأن الألوان الداكنة هي جزء من غموضه. هو كفنان يرسم بصمت بما يفكر به نحو شعوب يتمنى لها أن تمسك سيفها بيمينها لتستطيع تغيير الألوان القاتمة، ورمزية الألوان الحمراء التي توحي بالدماء ولكن أيضاً بزهور الأمل.

تكتنز الألوان الممزوجة بتقنية سردية أقنعة بلاغية لها سيميائيات لونية تشير كل منها إلى اتجاه خاص، لا يمكن جمع هذه الأفكار إلا من خلال اللون الأبيض، والذي هو مزيج كل الألوان الباردة والحارة، أو بالأحرى السلبية والإيجابية، ولكن محا الملامح الإنسانية ببراعة تشكيلية حيث تأهَّ النظر في مرئيات بصرية لا تعتمد على الشكل الواضح للإنسان، إنما على الحس والإدراك للجمال والقبح، ولمتناقضات تجعلنا نبحث عن الأشكال المغطاة بالألوان أو عن خط أفقي أو عامودي في لوحة تثير علامات التعجب في اتجاهاتها الخطوطية، ومفاهيمها التشكيلية المنكوصة نفسياً من حيث قوة التأثر والتأثير بها، وبألوان نفتقد لوجودها في لوحة تحاور ذاتها، وتحاكي الوجدان من خلال عدة انفعالات لونية منها الأصفر والأزرق القاتم، ويخاطب العقل بالفراغات التأملية القادرة على خلق المعاني التي تبثها ريشة تفتش عن الإنسان القادر على الرؤية والمتجه نحو السلام.

يتعمق الفنان "طلال معلا" في تفاصيل لوحته محاكياً بذلك العناصر الفنية من خلال مفردات جمالية تتمسك بمفاهيم فكرية يطلقها مع الضوء، ومع انبثاق تحولات مفاهيمية للخطوط الانسيابية، الفاصلة بين الفراغات الموسيقية ذات النغمات الهادئة، التي يتشرب اللون منها شفافية ذات تأثيرات بصرية توقظ الأحاسيس العاطفية، وتخلق مشهداً درامياً ذات مؤثرات بانورامية وتدرجات تجريدية مؤثرة، لنتعاطف مع شخوصه بموضوعية فنية لها تشكيلات تضم النظر من الخارج إلى الداخل، وكأن ألوانه تعصف ببعضها البعض، لتتجه نحو وسط اللوحة كنقطة ثابتة في الحياة، وهي كينونة الإنسان واحترامه لنفسه ولحقوق الآخرين.

رمزية لونية ذات رؤية تفتقدها شخوصه التي ترمز إلى المجتمعات بأشكالها المختلفة حيث البساطة الفنية في تجسيد مرئي له حركته البصرية الخاصة بكل لون تكويني يعكس أساس الوجود، أو يهدف إلى فهم قيمة المعنى للون، فألوانه تتغير معانيها تبعاً لأحجام أشكاله الفنية، وقدرتها على المحاكاة مع بعضها البعض. إلا أن المتلقي يشعر بمحاولات الريشة في خلق تناغمات بين الجزء والكل، وبين الظل والنور رغم اتجاه الفنان "طلال معلا" نحو الألوان الداكنة، وكأنه يغوص في قدرات المجتمعات الإنسانية المترددة بمقاومتها للضوء، وكأنها اعتادت على العتمة وعلى الغيوم الملبدة في أماكن لا يحاول الحفاظ عليها، أو بالأحرى عجزه عن الانتقال من مكان لآخر.

يترك الفنان "طلال معلا" لتوازنات الألوان ميزة خاصة به، لأنها تميل إلى طول موجي متوازن ضوئياً حيث يشعر الرائي بتغيرات اللون الحركي حسياً، وعند النظر إلى اللوحة من أماكن مختلفة، فريشته الفنية ذات نبرة ضوئية تتماوج نسبياً مع موجة كل لون يمزجه حسب رؤيته التي يخاطب بها لوحته الفيسيولوجية التي تعالج مواضيع اجتماعية، يطرحها ضمن أبعاد جمالية لها أسسها التشكيلية القادرة على خلق رمزية تعبيرية لها ألوانها التجريدية الخاصة، وشخوصها الضعيفة في مواجهة الحياة أو رؤية الجمال أو التفكر الفني، مما يمنح الوعي قيمة تحررية انطلقت من مفهوم اللاوعي الغارق بالأسرار الذي يدعونا إلى فهمها. لنصل من خلال تحاوراته إلى فلسفة تعيد للإنسان قيمة وجوده ككائن خُلق في أحسن تقويم.

تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2014