جمالية فنية معاصرة ذات زخارف جريئة بألوانها وخطوطها الضوئية
ضحى عبدالرؤوف المل
يمزج "صموئيل كوازين" بين الأفكار والأساليب الإبداعية ليخلق تصويرات ذات أبعاد رمزية توحي بقوة الرؤية والوضوح الموضوعي من حيث الأشكال والقياسات، والأمزجة المختلفة في أعماله، كالتأليف البصري الذي ينم عن جمالية فنية معاصرة ذات زخارف جريئة بألوانها وخطوطها الضوئية والتشابكات المحبوكة ضمن نظم جغرافية توحي فنيًا بتصويرات متعددة التشكيلات رغم بساطة الفكرة الخلاقة، كالسجادة المزخرفة والمنسوجة وفق خطوط مدروسة بصريًا. لتمنح البصر مساحات أفقية وعامودية، وتعرجات لها بداياتها ونهاياتها المثيرة ذهنيًا. لحواس تتبع كل خط ولون وكل تقسيمات أبدع في رسم قياساتها وألوانها "صموئيل كوازين" من ناحية التصميم ورؤاه المتعددة الأبعاد والاتجاهات، ومن ناحية الشكل كعمل إبداعي له تصوير متعدد الاستخدامات لما تتميز به أعماله من بساطة ووضوح وإتقان بصري.
مساحات إبداعية مفتوحة الآفاق والأبعاد التخيلية والواقعية، وهي ذات حركة لونية وهندسية تنم عن مخيلة ينطلق معها "صموئيل كوازين" نحو أيقونات فنية واسعة لونياً، فهو يجمع الضوء في الخطوط البيضاء، ويوزع الفراغات بين الألوان بديناميكية توحي بحركة سريعة الاتجاهات، وهذا ما نلمسه في أكثر أعماله الفنية التركيبية التي يدعو من خلالها إلى التمسك بكل شيء من حولنا، وبالأخص جغرافية الحياة لفهم أسرارها وكينونتها وألوانها العابقة بالجمال. وبخطوط تتميز بشدة انتظامها وعشوائيتها، وبألياف بصرية تنبض بالحيوية والديناميكية، فالتناقض الحياتي واضح المفاهيم في تصميماته المؤلفة من مواد مختلفة جمعها لتتناسب مع الأشكال والأحجام وطريقة صنعها، كالقطعة المعدنية الشبيهة بدائرة تدور حول نفسها. ليضعنا أمام أفكاره الانتقادية وجهاً لوجه، ولكن مقروءة من خلال لغة فنية إبداعية أتقن النطق بها ببلاغة تصويرية تعيد للفن مفاهيمه الخلاقة.
يلملم "صموئيل كوازين" المواد المستخدمة في تصميماته من الطبيعة التي يعايشها من خلال نظرته الفنية ذات الأفكار المرنة والمتناغمة مع ذاتها، لأنها منسجمة مع المادة الفنية والألوان المتناسقة بصريًا دون أن ينسى الحفاظ على مرونة الموتيفات المتغايرة ضوئيًا ولونيًا مع المفهوم التشكيلي والإبداعي المؤلف من الألوان، والأشكال، والأحجام، والعمق الذي يحقق من خلاله نشاطًا ذهنيًا معنياً لدى المتلقي. ليؤثر بصريًا على كل مفهوم يلتقطه الرائي بوعي حياتي وفني ممزوج بدهشة تعصف بالحواس، وتتخذ وجدانيًا أشكالاً مختلفة من حيث القدرة على رؤية الأبعاد، وقراءة المفاهيم تبعًا لمفهومنا الحياتي للفن والإبداع، والتركيب اللوني المتقن هندسيًا ويدويًا. لأن أعماله تتميز بأسلوبها السهل الممتنع، وبدلالات لا تخلو من سيميائية يشير من خلالها إلى التمسك بخاصية كل فرد. كما يتمسك هو بخاصية كل عمل من أعماله، وبخاصة السجادة الضوئية ونسيجها اللوني المميز بصريًا.
وسائل فنية متعددة، منها ما هو لين وقاسي، ومنها ما هو ينبض بالحياة، كالورق والأسلاك والمعادن والألوان، وما إلى ذلك مما يساعد في خلق أعمال فنية تأخذ موادها الأساسية من عناصر طبيعية يتم تركيبها وفق رؤية فكرية منسوجة بفلسفة إبداعية. تقوم أسسها على التفكير الخلاق المنتج لتصميمات يمكن استخدامها في مجالات متعددة، كمجسمات ونصب تذكارية ولوحات فنية وأقمشة وسجاد، وما إلى ذلك من مسميات فنية غنية بمواردها الحياتية المنسية أحيانًا والتي يمكن إعادة تدويرها. لتصبح المادة ذات فعالية يتولد منها كل ما هو جمالي أو هندسي أو حتى للاستخدامات العامة، وأيضًا ما يوحي بقضايا شعوب تتمسك بنسيجها الجغرافي حتى آخر رمق، وهذا ما هو ملموس في تصميم السجادة وألوانها الحارة والباردة والمضيئة.
فكر بنائي هندسي تركيبي وإبداعي. يظهر حركيًا كضوء مشع في أعمال فنية غارقة بالجمال، وبتقنية تشكيلية ذات مفهوم تركيبي معاصر يتحدى الحاضر ويمنحنا نظرة مستقبلية لها أبعادها الخاصة التي تختصر المخاطر الإنسانية التي تهدد شعوبًا بدأت تبتعد عن الجمال، فمن خلال أعماله يمكن
إعادة النظر لخلق حياة بسيطة يتم تكوين وسائل عيشها من مواد بسيطة، ولكن تساعد في رفع قيمة الفن والجمال. لنتخطى به الكوارث الاقتصادية وحتى السياسية، فكل هدوء في أعماله الساكنة بضجيج اضطرابات داخلية هي نتاج عقلانية تتخطى أي انفعال عاطفي بالفكر الإبداعي الهادئ إلى إيجاد حلول يمكن الاستفادة منها، كشجرة الأوراق أو كمجسمات مبنية بأبسط المواد، والتي تشير إلى فن معماري لا يخلو من تفكيكية بسطها أمام المتلقي بجمالية فن معاصر.
فن بصري منسجم مع عقلانية فنية تتميز بشاعرية تضج بفروقات متناقضة عميقة المضمون والأسلوب، وجميلة المادة لغرابتها كالدانتيل الورقي أو شبكة الخيوط العنكبوتية التي تصلح للزخرفة وللتزيين، وللاستعمالات متعددة والأهم من هذا كله الجمالي منها، فالخيوط البصرية هي عبارة عن خطوط باردة وخطوط حارة يتبعها المتلقي بصريًا ليشعر بمتاهة تقوده إلى فكرة طرحها، وتركها تتغلغل في التصميم الحركي المناقض لفكرة السكون والخروج من مسارات الحياة التقليدية أو الكلاسيكية. ليتجه نحو الفكر الفني المعاصر والمنتج استهلاكيًا من النظرة البنائية، وإعادة تدوير المفاهيم القديمة واستبدالها بتراكيب إبداعية لها صِلاتها الفنية ذات الجمال الإبداعي الخاص.
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء لبنان