عدسة أنثوية غارقة بالضوء ترسم عناوينها بألوان فلسفية

الروح الضائعة - الأنا – النسيان

ضحى عبدالرؤوف المل

تكثف "دايان افتيموس" من نسبة الضوء، ليبرز سطوعه على سطوح تعكس الأسود الواعي من خلال أسلوبها في التصوير الذاتي الذي يخاطب بتناقض لونين، لكل منهما رمزية خاصة من حيث الداكن والفاتح، والأبيض والأسود، والظل المخفي بين الأشكال التي تتراىء كصورة تحتاج لتصفية من الشوائب، فتستفز حواس المتلقي محاولاً بذلك البحث عن تفاصيل أخرى قد تساعده في اكتشاف ذاته. فالأبيض في صورها الفوتوغرافية يؤكد على عتمة العدسة التي ترسم بها فنياً ما تشعر به من حزن أو فرح أو الحواجز الحياتية التي تتعرض لها "دايان افتيموس" وتخرج منها وسط جمال تتصالح به مع نفسها أو مع عدستها الضوئية. لهذا تلف صورها بغموض هو عبارة عن تشويشات عدسة مدروسة تؤدي أهدافها تبعاً لما رسمته دايان في مخيلتها، وما انطبع على اللوحة من أحاسيس رومانسية، ومشاعر أنثوية غارقة في التأملات الحالمة، والجمال الفوتوغرافي الملامس لفنون التشكيل واللون الذي يسرد بذاتية منسجمة مع ما حولها من تأملات وتحولات وتغيرات تحدث وتتسبب بجاذبية بصرية تثير عدسة أنثوية غارقة بالضوء ترسم عناوينها بألوان فلسفية تبحث عن معنى الروح الضائعة! الأنا! النسيان!

تتعامل "دايان افتيموس" مع عدستها كطفلة تحاول محو الزمن الماضي. كلما تجدد الحاضر لتحيا الأنا في لحظة ذاتية وآنية، وهذا ينطبق على عدستها، وكأنها تتوحد مع عدستها الضوئية بغرابة سريالية، ولكن بغموض يبتعد عن الوضوح التصويري، فهي تتعمد الرسم بالضوء لتبدو الطبيعة الثلجية في لوحاتها شتائية المصدر أو بالأحرى متجمدة في لحظة قطبية هي أقرب للحلم، ولكن تقدم كل التفاصيل الفنية من خلال لقطة فنية مدروسة جمالياً وذات مشهد مفتوح من حيث المفاهيم الهادئة، والباحثة عن روح الأشياء لا عن الشكل أو المظهر الخارجي. فهل من روح للضوء الذي تظهره ككائن عرائسي أو شتائي تستريح فيه الأنثى؟ أم إنها تبحث عن السكينة والهدوء والسلام عبر الضوء الذي يثير حواسها الفنية؟

توشح "دايان افتيموس" الصورة الفوتوغرافية وفق رؤيتها الفلسفية الباحثة عن الأنا، وتضعها ضمن اختزالات معرفية وسلوكية، وكأنها تشاكس عدستها لتخفي بعض ما التقطته بواسطة أسلوب إخراجي تحذف بواسطته أشياء، وتضيف إليه أسلوباً ضوئياً مختلفاً عن العدسة، ليتشكل المشهد الفوتوغرافي المنسجم مع اللقطة بلحظاتها التقنية الديناميكية التي تتصف بليونة سوداء تتهشم وتلتحم لونياً، فتظهر بعد ذلك الصورة الضوئية من داخل عتمة فرضتها على نفسها، كي تضع حلمها على قماش وفق قياسات تفصيلية تؤكد من خلالها على وجود العناصر التشكيلية في الصورة الفوتوغرافية القادرة على إظهار الجمال بروح لونية تتناقض فيها الحرارة والبرودة. بل ويطغى اللون الأبيض على أغلب المساحات، ولكن ضمن رؤية تشكيلية فوتوغرافية.

تحافظ "دايان افتيموس" على بيئة فوتوغرافية ذات جمالية خاصة يستريح فيها البصر، فبيئتها البصرية تعكس صفاوة لونية تنبعث من قدرة الضوء الطاغي على الموتيفات الأخرى، وبقدرات متفاوتة بين أجزاء الصورة ومساحتها، لتتشكل الزوايا المفتوحة نحو فضاءات تخيلية، إلا أنها فضاءات واقعية في المعنى المجازي، لأنها تحاور ذاتها من خلال عدسة تتسع ضوئياً نحو العتمة، أي تضع المشهد داخل اللوحة بحيث نشعر أن عالمها هو داخلي ينبعث بموضوعية جمالية إلى خارج ذي غموض تركت معالمه كماضي هو جزء من لحظة أو ومضة ساطعة يزيغ البصر منها، ليعود البصر من رحلة ضوئية سريعة تكاد تتسابق مع واقعية الأسود الواعي في صورها الممزوجة بتقنية (مغبش) ضبابي الرؤية، ثلجي البرودة هادئ، ساكن وقادر على وضع الصورة بخانة الفن التشكيلي الإيحائي القادر على بث إيقاعات حسية، ونغمة تشكيلية ذات تكوين فوتوغرافي متسع بصرياً إلى ما لا نهاية حيث سرعة الزمن تعادل سرعة الضوء، والأبيض يطغى على الأسود والتخيل يزيد من واقعية الأسود ووعيه.

معادلات ثلاثية تضعنا أمام منطق فلسفي فوتوغرافي، ناتج عن مفاهيم فن تشكيلي له قواعده الفوتوغرافية، المرتبطة بعدسة أنثوية لها أحلامها وتوازناتها. فهي تريد لروح الأشياء أن تنطق بجمالية الحياة التي تتمنى لها أن تكون سرعتها أقوى من سرعة الضوء، وأن تمنح الأنثى بلونها الأبيض الذي ترمز له "دايان افتيموس" على اللون الأسود الذي يعيدها إلى ذاتها في كل مرة تتخطاه عدستها بموضوعية لها حساباتها وقياساتها وتميزها في التشكيل البصري المؤدي إلى خلق حالات نفسية متعددة ننتقل إليها بصرياً من لوحة إلى لوحة، ومن حركة إلى حركة مضافاً إليها تغيرات اللون الأبيض وكثافته داخل كل مساحة لا فراغ فيها. فالمسارات التكوينية داخل لوحاتها أو صورها الفوتوغرافية تكشف عن تآلف فني منسجم مع الكل بانفعالات معاكسة، مما يجذب العين إلى الأجزاء الفنية كلها بشكل عام، وكأننا أمام زهرة ياسمين تتشكل تبعاً لإسقاطات الضوء عليها، بل! وكأنها في أعمالها الفنية، كالياسمينة هي المحور الفاصل بين ضوئين حيث تتوحد مع ذاتها، فتنتج الصورة الفوتوغرافية بجمالية تشكيلية شفافة ورومانسية.

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء